محمد جمال الدين القاسمي

431

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

27 و 19 ) : إياك وهذا البارّ . لأني تألمت اليوم كثيرا في حلم من أجله . ولعلها رأته فبهرها كماله ووقاره وحشمته وبلوغه الغاية في الأدب والشمائل الطاهرة . والظاهر أنها رأت هذا الشاب البريء المبجّل من إحدى نوافذ قصرها المطلة على أفنية هيكل سليمان عليه السلام . فظهر لها بكماله الحقيقي فاستفظعت إهدار دم هذا البريء الوقور . وكيفما كان السبب ، فالذي لا يشك فيه أحد ، أن بيلاطس كان محبا لعيسى عليه السلام حبّا شديدا . ولذلك سأله بكمال اللطف والأدب ليفرغ ما في وسعه لتبرئته . انتهى . فيؤخذ من كلام ( رنان ) أن الحاكم المنوط به الأمر والتنفيذ ، كان مضادّا للصلب . فلا غرابة في عدم حصوله للمسيح عليه السلام ، وتبديله بآخر . وكراهة هذا الحاكم لليهود مشهورة لا تحتاج لزيادة إيضاح . حتى إن ترتوليانوس ، أحد آباء الكنيسة النصرانية ، جزم بأن بيلاطس الحاكم كان نصرانيّا في الباطن . وفي الجزء الأول من تاريخ الديانة النصرانية لمؤلفه ( ملمن ) : إن تنفيذ الحكم كان في وقت الغلس وإسدال ثوب الظلام . فيستنتج من ذلك أيضا إمكان استبدال السيد المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس ، منتظرين تنفيذ حكم القتل عليهم . كما اعتقد بعض الطوائف . وصدقهم القرآن . ولقد جرى على هذا الرأي جماعة من المؤرخين المهمّين ( كالمسيوشارل بيكار ) و ( أرنست دي بونس ) وغيرهما . فإن الأول قال : إن مسألة صلب المسيح كلها مبتكرة مخترعة لا غير . لتوافق اعتقادات قديمة . مآلها أن اللّه لا يسكن غضبه إلا بسفك دم القربان من بني آدم . وكانت اليهود تقدم أولادها قربانا للذبح استجلابا لإسكان غضب الخالق وجلب رضاه . ويقول : إنهم ربما أكلوا لحوم القربان الآدميّ وشربوا دمه . ولما قامت الأنبياء في بني إسرائيل واضطهدت هذه العادة الشنعاء ، بدّل ذبح الآدميّ قربانا بذبح الحيوان . وأطال المسيو ( بيكار ) في شرح ارتباط تضحية سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام مع هذه العوائد القديمة . فأفاد أن نفس الصليب كان مستعملا رمزا عن شيء عندهم اسمه ( اللنجام ) وهو عبارة عن خشبتين متصلبتين متداخلتين في بعضهما . وأما المسيو ( أرنست دي بونس الألمانيّ ) فإنه قال في كتابه المسمى ب ( النصرانية الحقة ) صحيفة 142 ما معناه : إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء ، هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومن شابهه ، من الذين لم يروا المسيح عليه الصلاة والسلام . لا من أصول النصرانية الأصلية . فوضح وضوح الشمس لذي عينين أن التاريخ ، فضلا عن كونه لم يثبت مسألة